” أمّا السلطة القضائيّة، فعلى الرغم من تميّز القضاة اللبنانيّين وكفاءتهم، إلاّ أنها عجزت عن إثبات نفسها يوماً سلطة مبنيّة على عمل مؤسّساتي منتظم ولم يتمكّن القيّمون عليها والمسؤولون عنها من إدارتها وقيادتها بما يعزّز ركون أعضائها إلى عدالتها أو يحفّز عجلة العمل القضائي ويدعمه ويقوّيه، فباتت السّلطة القضائيّة هيكلاً تتهاوى جدرانه تدريجيّاً مع عصف الأزمات وتواليها، وما من مغيث؛
وقصور العدل… لم يبقَ منها إلاّ اسمها، وباتت قاصرة عن احتواء أو تأمين مقوّمات العمل القضائي وصناعة العدل، وما من مسؤول.”
…بهذه الكلمات سطرّت القاضية ساندرا المهتار كتاب إنهاء خدماتها في القضاء بعد مرور أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً على دخولها إليه، وهي التي لم تتوقف يومًا عن رفع الصوت وتوجيه الكتب اللازمة للدفاع عن القضاء والمطالبة بتحسين عمل القضاة.
هذه الكلمات تكفي وحدها لوصف ما آلت إليه السلطة القضائية على مرّ هذه السنين حتى أدت الى خسارة القضاء لخيرة من قضاته من خلال تقديم طلبات استقالة أو إنهاء لخدمات، وقد بلغ عددهم منذ العام ٢٠٢٠ حوالي العشرة قضاة كانت آخرهم القاضية ساندرا المهتار.
لا يظنن أحد، بأن من ترك القضاء كان فقط لتوفر فرصة عمل أفضل له، فتلك إهانة بحق الدولة والسلطة القضائية وكل سلطة دستورية في هذا البلد، إذ إن هذه الاستقالات تثبت أن القضاة الشرفاء يتركون رسالتهم التي تسببت بظلمهم معنويًا وماديًا ليبحثوا عن لقمة عيش شريفة في مكان آخر حيث يتم تقديرهم على المستوى المعنوي، في حين يبقى من يجب أن يصرف، في القضاء حتى يتقاعد وينال منصب “الشرف”.
إن استقالة القاضية ساندرا المهتار لم تكن لسبب مادي، إنما لوجع وقهر عانته هذه القاضية ويعانيه غيرها من أمثالها. هي صرخة ألم وحزن على عدلية ظننا أنها مقام للعدل وإذ بها معقل للظلم الواقع على أبنائها أولًا.
إزاء ما يحصل من نزف مستمر والذي أصبح نهجًا من المرجح أن يتفاقم أكثر وأكثر، نسأل أين مجلس القضاء وما هي خطته وحلوله لوقف هذه “المجزرة”؟ هل أصبح دوره المتمثل “بالسهر على حسن سير القضاء” مقتصرًا على قبول طلبات إنهاء خدمات خيرة القضاة دون القيام بأي خطوة لردعهم أو لثنيهم أو حتى محاولة التمسك بهم بأي طريقة ممكنة؟ كيف يتحقق الإصلاح والفعالية والإنتاجية في القضاء وأفضل القضاة يتركونه بعد أن سئموا من الوعود والكلام وحتى الأوهام؟؟!
فكيف لقضاة مظلومين أن ينصروا المظلومين ويقاوموا الظالمين؟
أين هو الوطن الذي تريدون منا أن نحميه بعملنا وعدلنا وأين الدولة التي تبنون؟
انطلاقاً من كل ما تقدم، يدعو نادي قضاة لبنان مجلس القضاء الأعلى أن يبادر إلى دعوة القضاة في أقرب وقت إلى جمعية عمومية طارئة موضوعها الأساس لا بل الوحيد هو التباحث مع القضاة عن أوضاعهم كافة ليصار إلى وضع خطة سريعة وعملية تهدف إلى تحسين وتحصين وضع القضاة ورفع الصوت باتجاه السلطتين التشريعية والتنفيذية للحدّ من ظاهرة نزف نخبة القضاة ولمحاولة إعادة من ترك السلطة القضائية إليها.
*ملاحظة*: ينشر نادي قضاة لبنان طلب إنهاء الخدمات الذي تقدمت به القاضية ساندرا المهتار، ليتبنى كل كلمة وردت فيه.
تجدونه في الرابط أدناه.
نادي قضاة لبنان
٦ كانون الأول ٢٠٢٥



